القرطبي
406
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الرابعة - اختلف في الاهلال بالحج غير أشهر الحج ، فروي عن ابن عباس : من سنة الحج أن يحرم به في أشهر الحج . وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي : من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه ويكون عمرة ، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة ، وبه قال الشافعي وأبو ثور . وقال الأوزاعي : يحل بعمرة . وقال أحمد بن حنبل : هذا مكروه ، وروي عن مالك ، والمشهور عنه جواز الاحرام بالحج في جميع السنة كلها ، وهو قول أبي حنيفة . وقال النخعي : لا يحل حتى يقضي حجه ، لقوله تعالى : " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج " [ البقرة : 189 ] وقد تقدم القول فيها . وما ذهب إليه الشافعي أصح ، لان تلك عامة ، وهذه الآية خاصة . ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم ، لفضل هذه الأشهر على غيرها ، وعليه فيكون قول مالك صحيح ، والله أعلم . الخامسة - قوله تعالى : " فمن فرض فيهن الحج " أي ألزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا ، وبالاحرام فعلا ظاهرا ، وبالتلبية نطقا مسموعا ، قاله ابن حبيب وأبو حنيفة في التلبية . وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج ، وهو قول الحسن بن حي . قال الشافعي : تكفي النية في الاحرام بالحج . وأوجب التلبية أهل الظاهر وغيرهم . وأصل الفرض في اللغة : الحز والقطع ، ومنه فرضة ( 1 ) القوس والنهر والجبل . ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الخز للقدح . وقيل : " فرض " أي أبان ، وهذا يرجع إلى القطع ، لان من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره . و " من " رفع بالابتداء ومعناها الشرط ، والخبر قوله : " فرض " ، لان " من " ليست بموصولة ، فكأنه قال : رجل فرض . وقال : " فيهن " ولم يقل فيها ، فقال قوم : هما سواء في الاستعمال . وقال المازني أبو عثمان : الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة ، والقليل ليس كذلك ، تقول : الأجذاع انكسرن ، والجذوع انكسرت ، ويؤيد ذلك قول الله تعالى : " إن عدة الشهور " [ التوبة : 36 ] ثم قال : " منها " .
--> ( 1 ) فرضة القوس ( بضم أوله وسكون ثانية ) : الحز يقع عليه الوتر . وفرضة النهر : مشرب الماء منه . وفرضة الجبل : ما انحدر من وسطه وجانبه .